جمعية عنابة مدينة الدراجة تقترح مسار بين البوني وسيدي سالم
تشهد العقود الأخيرة تحولًا عالميًا في فلسفة تهيئة المدن، حيث أصبح التوجه نحو أنسنة الفضاءات الحضرية خيارًا استراتيجيًا تتبناه مختلف دول العالم، ولم يعد هذا التوجه حكرًا على الدول المتقدمة، بل أصبح حاضرًا كذلك في العديد من دول العالم الثالث تحت شعار: “الشوارع أنشئت للبشر وليس للسيارات.”
وولاية عنابة، كغيرها من ولايات الوطن، تعرف بدورها تحولًا سريعًا في ثقافة التنقل، إذ أصبحت وسائل التنقل ذات العجلتين أكثر انتشارًا من أي وقت مضى، وعلى رأسها الدراجات النارية والتروتينات الكهربائية. وتعود أسباب هذا التحول إلى عوامل متعددة، لسنا بصدد الخوض فيها، لكن ما ينبغي التأكيد عليه هو أن هذا الواقع الجديد يستوجب مواكبة سريعة وتأطيرًا فعّالًا يضمن سلامة مستعملي الطريق ويحافظ على جودة الفضاء العام، من خلال الحد من الفوضى والضوضاء وتحسين ظروف التنقل.
غير أن أفضل أشكال المواكبة لا يكمن فقط في سن القوانين أو فرض الرقابة، وإنما في توفير بديل حضري مستدام يتمثل في الدراجة الهوائية، الوسيلة التي ساهمت في تحويل العديد من المدن إلى نماذج عالمية في جودة الحياة والسعادة، وفي مقدمتها مدينة كوبنهاغن الدنماركية.
لقد شهدت عنابة أولى التجارب في إنجاز مسارات للدراجات الهوائية، غير أنها لم تحقق الإقبال المنتظر، والسبب بسيط؛ إذ صُممت في أغلبها كعنصر تجميلي ضمن مشاريع التهيئة العمرانية، وليس كبنية تحتية حقيقية مخصصة للتنقل اليومي.
فلكي يكون مسار الدراجات فعالًا، يجب أن يستجيب لجملة من الشروط الأساسية، أهمها:
- أن يربط بين نقطتين تفصل بينهما مسافة معتبرة تشجع المواطنين على استعمال الدراجة كوسيلة تنقل حقيقية، وليس مجرد بضعة أمتار معزولة.
- توفير مواقف آمنة ومحروسة للدراجات عند نقاط الانطلاق والوصول.
- إنشاء محطات لكراء الدراجات الهوائية لتسهيل استخدامها من طرف مختلف الفئات.
- والأهم من ذلك كله، إنشاء شبكة مترابطة تغطي مختلف أحياء المدينة، لأن مسارًا معزولًا في شارع واحد، مهما بلغت جودته، لا يمكن أن يشكل بديلاً عمليًا للتنقل اليومي، ولا يسمح بالوصول إلى الوجهات المختلفة.
ولا ينبغي أن يقتصر التفكير على المسارات الحضرية فقط، بل يجب التوجه أيضًا نحو إنجاز مسارات للدراجات تربط بين البلديات والتجمعات السكانية، إضافة إلى مسارات سياحية وترفيهية تمر عبر الفضاءات الطبيعية والغابات والسواحل، بما يجعل الدراجة وسيلة للنقل والاستجمام في آن واحد.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، أعدّت جمعية عنابة مدينة الدراجة تصورًا لمسار نموذجي يربط بين سيدي سالم وبلدية البوني عبر مسلك آمن يتجنب الطرق السريعة، ويستغل المساحات غير المستغلة على ضفاف المجاري المائية وخطوط السكك الحديدية، مع تهيئة فضاءات خضراء جديدة، وإنشاء جسور وأنفاق عند نقاط التقاطع، بما يساهم في فك العزلة عن التجمعات السكانية الصغيرة، ويوفر فضاءً حضريًا جديدًا للمشي وركوب الدراجات وممارسة الرياضة.
وهذا المشروع ليس سوى نموذج واحد يمكن تكراره عشرات المرات عبر مختلف بلديات ولاية عنابة، لتتشكل في النهاية شبكة متكاملة تتقاطع في عدة نقاط، وتربط الأحياء والمؤسسات والمناطق الصناعية والجامعات والواجهات البحرية.
إن الاستثمار في مثل هذه الشبكات ليس ترفًا عمرانيًا، بل هو استثمار في صحة المواطن، وفي البيئة، وفي الاقتصاد المحلي، وفي جودة الحياة. وهو خطوة حقيقية نحو بناء مدينة أكثر أمانًا واستدامة، مدينة تعطي الأولوية للإنسان قبل السيارة، وتجعل التنقل اليومي تجربة مريحة، وتمنح سكانها مزيدًا من السعادة والارتباط بالطبيعة، بدل الضغوط اليومية التي يفرضها الازدحام المروري.









تُعد الأشجار عنصرًا أساسيًا في نجاح مسارات الدراجات الهوائية، فهي ليست مجرد مكوّن جمالي، بل بنية تحتية طبيعية ترفع من جودة المسار وتشجع على استخدامه. فالظل الذي توفره الأشجار يخفف من تأثير أشعة الشمس، خاصة خلال فصل الصيف، ويجعل ركوب الدراجة أكثر راحة وأمانًا، مما يطيل مدة استعمال المسار ويزيد من عدد مستعمليه. كما تساهم الأشجار في خفض درجة حرارة المحيط بعدة درجات مقارنة بالمساحات المكشوفة، وتنقي الهواء من الغبار والملوثات، وتمتص جزءًا من الضوضاء الصادرة عن حركة المرور، إضافة إلى دورها في تعزيز التنوع البيئي وتحسين المشهد الحضري. ولهذا تعتمد المدن الرائدة في مجال التنقل المستدام على إنشاء ممرات خضراء (Green Corridors)، حيث تمتد مسارات الدراجات تحت ظلال الأشجار لتوفر تجربة تنقل ممتعة، وتحوّل الرحلة اليومية من مجرد وسيلة للوصول إلى فضاء صحي وترفيهي يعزز رفاهية المواطنين ويشجعهم على استبدال السيارة بالدراجة الهوائية
في هذا الإطار نعرض تصور أكثر أهمية للنقطة 04 حيث نضيف الشجرة كعنصر رئيسي في التهيئة المقترحة












لقد أثبتت التجارب العالمية أن نجاح المدن لم يعد يقاس بعدد الطرق السريعة أو اتساعها، بل بقدرتها على توفير فضاءات حضرية تجعل الإنسان محور التخطيط والتنمية. فمدن المستقبل هي تلك التي تمنح الأولوية للمشي، والدراجات الهوائية، والمساحات الخضراء، وجودة الحياة، وتوازن بين متطلبات التنقل وحماية البيئة والصحة العامة.
إن ولاية عنابة تمتلك كل المقومات الطبيعية والجغرافية التي تؤهلها لتكون نموذجا وطنيا في هذا المجال، غير أن ذلك يتطلب الانتقال من منطق إنجاز مشاريع متفرقة إلى تبني رؤية عمرانية متكاملة تقوم على إنشاء شبكات مترابطة للمسارات الآمنة، وربط الأحياء والفضاءات الطبيعية، وتعزيز التشجير، وتوفير البنية التحتية الداعمة للتنقل المستدام.
إن الارتقاء بفلسفة العمران لم يعد خيارا جماليا، بل أصبح ضرورة تفرضها التحولات البيئية والاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها العالم. فالتخطيط الحضري الحديث لم يعد يبني مدنا للسيارات، بل يبني مدنا للإنسان؛ مدنا أكثر أمنا، وأكثر صحة، وأكثر استدامة، حيث تصبح جودة الحياة الهدف الأول لكل مشروع تنموي. ومن هذا المنطلق، فإن الاستثمار اليوم في مسارات الدراجات الهوائية والفضاءات الخضراء هو استثمار في مستقبل الأجيال القادمة، وخطوة حقيقية نحو مدينة عصرية تواكب تحديات القرن الحادي والعشرين وتستجيب لتطلعات مواطنيها.
قرفي بلال
رئيس جمعية عنابة مدينة الدراجة

فكرة ممتازة و قابلة للتطبيق
المسار مميز و يوفر خدمة راقية لمستعملي الدراجات الهوائية
نتمنى تطبيق هذا المقترح في أقرب الآجال
بالتوفيق احبتي في الله
شكرا وليد